عبد الوهاب الشعراني

260

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

عن نفسه باستيلاء ذكر ربه عليه ، وصار ليس يشهد غيره وهاهنا يكون مصطلما عن مشاهدة مختطفا عن نفسه ممحوا عن جملته فانيا عن كله . وما دام هذا الوصف باقيا فلا تمييز ولا إخلاص ولا صدق ، وهذا جمع الجمع وعين الوجود ، وهذا هو الوصول الذي يرد على أحوال التمييز والتكليف فيحجب عن هذا الوصف بنوع ستر ليفوز بحق الشرع ، والمغاليط هاهنا كثيرة والمحفوظ من رجع إلى أداء أحكام الشريعة ، وكان رضي اللّه عنه يقول من اشتغل بطلب الدنيا ابتلى بالذل فيها ومن تعامى عن نقائض نفسه طغى وبغى ، ومن تزين بباطل فهو مغرور . وكان يقول أنفع العلوم العلم بأحكام العبودية وأرفع العلوم علم التوحيد وكان يقول لا يضر مع التواضع بطالة ، إذا قام بالواجبات والسنن ولا ينتج مع الكبر عمل مندوب ولا علم مطلوب ، وكان يقول إذا أقامك ثبت ، وإذا قمت بنفسك سقطت . سكن رضي اللّه عنه طغسونج بلدة بأرض العراق وبها مات مسنا وقبره بها ظاهر يزار رضي اللّه عنه . 265 - ومنهم الشيخ بقاء بن بطو رضي اللّه تعالى عنه : هو من أعيان مشايخ العراق وأكابر الصديقين صاحب الأحوال النفيسة والمقامات الجليلة والكرامات الباهرة ، وكان الشيخ عبد القادر الجيلى رضي اللّه عنه يثنى عليه كثيرا ويقول كل المشايخ أعطوا بالكيل إلا الشيخ بقاء بن بطو فإنه أعطى جزافا ، انتهى إليه علم الأحوال وكشف موارد الصادرين بنهر الملك وما يليه ، وتتلمذ له خلائق من الصلحاء والعلماء وقصد بالزيارات والنذورات . ومن كلامه رضي اللّه عنه الفقر تجرد القلب عن العلائق واستقلاله باللّه سبحانه وتعالى وحده ، والتخلي من الأملاك أحد أوصاف الفقر لأنها شواغل وقواطع لكل عبد سكن قلبه إليها ، وعلامة صحة التجرد عن الأملاك أن لا يتغير عليه الحال بوجود الأسباب وعدمها لا في القوة ولا في الضعف ولا في السكون ولا في الانزعاج ولا تؤثر فيه المهالك فإذا كان كذلك فهو فقير لا يأسره رق الأسباب ولا يهزه وجودها ولا يستفزه عدمها فإن ملك فكأن لم يملك فهو فقير لا يأسره رق الأسباب ولا يهزه وجودها ولا يستفزه عدمها فإن ملك فكأن لم يملك وإن لم يملك فكأن ملك فلا يرى لنفسه في الدنيا والآخرة مقاما ولا قدرا . وكما لا يرى لا يطلب ، وكما لا يطلب ولا يتمنى فهو